السيد الطباطبائي
15
بداية الحكمة
ثم ننتزع من كل من هذه الأمور المشهودة لنا - في عين أنه واحد في الخارج - مفهومين اثنين ، كل منهما غير الآخر مفهوما وإن اتحدا مصداقا ، وهما الوجود والماهية ، كالإنسان الذي في الخارج ، المنتزع عنه أنه انسان وأنه موجود . وقد اختلف الحكماء في الأصيل منهما ، فذهب المشاؤون إلى أصالة الوجود ( 1 ) ، ونسب إلى الإشراقيين القول بأصالة الماهية ( 2 ) . وأما القول بأصالتهما معا ، فلم يذهب إليه أحد منهم ، لاستلزام ذلك كون كل شئ شيئين اثنين ، وهو خلاف الضرورة . والحق ما ذهب إليه المشاؤون ، من أصالة الوجود . والبرهان عليه : أن الماهية من حيث هي ليست إلا هي ، متساوية النسبة إلى الوجود والعدم ، فلو لم يكن خروجها من حد الاستواء إلى مستوى الوجود - بحيث تترتب عليها الآثار - بواسطة الوجود ، كان ذلك منها إنقلابا ، وهو محال بالضرورة ، فالوجود هو المخرج لها عن حد الاستواء ، فهو الأصيل . وما قيل : " إن الماهية بنسبة مكتسبة من الجاعل تخرج من حد الاستواء إلى مرحلة الأصالة ، فتترتب عليها الآثار " ( 3 ) ، مندفع بأنها إن تفاوتت حالها بعد الانتساب ، فما به التفاوت هو الوجود الأصيل وإن سمي نسبة إلى الجاعل ، وإن لم تتفاوت ومع ذلك حمل عليها أنها موجودة وترتبت عليها الآثار ، كان من الانقلاب ( 4 ) - كما تقدم ( 5 ) - .
--> ( 1 ) ومنهم بهمنيار في التحصيل : 284 ، والسيد الداماد في القبسات : 38 . وتبعهم صدر المتألهين في الأسفار 1 : 49 ، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة : 10 . وقيل في وجه تسميتهم بالمشائين : " انما لقبوا بهذا الاسم لأنهم كانوا يمشون في ركاب أرسطو كذا " . ( 2 ) نسب إليهم في شرح المنظومة : 10 - 11 . ( 3 ) والقائل المحقق الدواني على ما في شرح المنظومة : 25 . ( 4 ) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار 1 : 73 - 74 . ( 5 ) تقدم قبل أسطر .